ابن عطاء الله السكندري

116

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الفصل الأول في حقيقة الورع اعلم أن الورع يطلق صفة . ويطلق مصدرا . فإذا أطلق صفة . فقد تنازع أهل اللغة فيه ، فذهب الأكثرون إلى أن الورع الرجل الجبان ، وقال ابن السكيت : وأصحابنا يذهبون إلى أن الورع الرجل الجبان وليس هو عندي كذلك وإنما المراد به الصغير الضعيف « 1 » . وإذا أطلق مصدرا المراد به الكف والحبس والتجنب ، والمعاني متقاربة ، فإطلاقه بمعنى الكف على ما جاء في الحديث ورّع عنى في الدرهم والدرهمين « 2 » . أي كف عنى الخصوم بتولى القضاء فيما بينهم . والذي جاء منه بمعنى الحبس ما جاء في حديث قيس ابن عاصم : لا يتورع الرجل عن جمل يخطمه « 3 » . أي لا يحتبس والذي جاء منه بمعنى التجنب قول عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ورعوا اللص ولا تراعوه « 4 » أي جنبوه رحالكم ولا تنتظروه حتى يذهب بالمتاع ثم تطلبونه لتستنقذوه منه . وغرضنا الذي تصدينا لبيانه الورع الذي هو مصدر دون الصفة . فحده من اللغة : التجّنب مطلقا أو الحبس أو الكفّ على ما تقدم بيانه من غير تخصيص واقتصار . وحدّه عند أهل الشريعة : اجتناب ما نهى الشرع عنه ، هذا حدّه في الشريعة حقيقة ، وقد يطلق مجازا على اجتناب المباح ، ونحن نبيّن جهة التجوز فيه إذ لا بد بين المجاز والحقيقة من نوع مداناة وذلك أن ترك المباح إنما يحسن تسميته ورعا إذا ترك المباح وأتى بعبادة يكون المباح مانعا منها فيكون مثابا على ما أتى به من العبادة عند ترك المباح لا على ترك المباح ولّما كان تارك المنهى عنه مثابا على تركه وتارك المباح مثابا عند تركه حسن تسمية ترك المباح ورعا على ما قررنا . فإن اعتقد أنه مثاب على مطلق الترك كان غلطا وإن وقع الاعتراف بالاقتران وصرف الثواب إلى جانب الفعل دون الترك فلا نزاع من جهة المعقول والمنقول ولإطلاق اللفظ مجازا وجه قد سبق . والذي يحقق ما قلناه أنا إنما نطلب الورع المطلوب في الشريعة الواقع قربة وطاعة ، وحد المباح هو الذي خير الشرع بين فعله وتركه من غير

--> ( 1 ) انظر في ذلك : تهذيب الصحاح ( 2 / 514 ) ولسان العرب ( 8 / 388 ) . ( 2 ) رواه ابن قتيبة في غريب الحديث ( 1 / 589 ) ، وانظر : النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ( 5 / 174 ) . ( 3 ) روى البخاري في الأدب المفرد نحوه ( ص 329 ) ، وانظر : النهاية ( 5 / 175 ) . ( 4 ) أورده ابن الأثير في النهاية ( 5 / 175 ) ، وابن قتيبة نحوه في غريب الحديث ( 1 / 589 ) .